الشيخ السبحاني

518

بحوث في الملل والنحل

يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى * وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى » . « 1 » فإنّ ملاحظة لحن الخطاب الوارد في الآيات والذي هو في الحقيقة لحن ذم وتوبيخ ، يظهر وبجلاء أنّ الآية في مقام الحديث عن العقاب والجزاء وخاصة الآية السابقة عليها والتي تقول : « أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » ومن هنا نعرف أنّ اللام الداخلة على كلمة الإنسان في قوله تعالى « لِلْإِنْسانِ » لا يراد منها الانتفاع ، بل هي بمعنى الاستحقاق ، ولقد أكّد علماء اللغة أنّ أحد معاني « اللام » الاستحقاق كما في قوله تعالى : « وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ » « 2 » ، فعلى هذا الأساس لا علاقة للآية بمسألة الهدية والثواب . وثانياً : على فرض التسليم بشمولية الآية ودلالتها على الثواب والعقاب معاً ، مع ذلك نقول : يوجد هنا أمران لا ينبغي الخلط بينهما : 1 - انّ سعادة الإنسان وشقاءه مرهون بعمله وسلوكه ، فإذا كان محسناً فاعلًا للخيرات فلا ريب أنّه سعيد ، وأمّا إذا كان سيِّئ العمل مذموم الطريقة والمنهج فلا ريب أنّ عاقبته الشقاء والخسران ، وهذا أصل قرآنيّ أكّدته آيات الذكر الحكيم حيث قال عزّ من قائل : « مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها » « 3 » . 2 - إذا قام الإنسان بعمل صالح ثمّ أهدى ثواب ذلك العمل إلى آخر قد رحل عن هذه الدنيا ، فإنّ الميّت ينتفع بثواب ذلك العمل الصالح . ولا ريب أنّه لا منافاة بين هذين الأصلين ، لأنّ الأصل يمثّل قاعدة

--> ( 1 ) . النجم : 33 - 42 . ( 2 ) . المطففين : 1 . ( 3 ) . فصلت : 46 .